محمد حسين علي الصغير

67

مجاز القرآن خصايصه الفنية وبلاغته العربية

وقد جاء هذا الرفض بحجة أن المجاز أخو الكذب ، والقرآن منزّه عنه ، فإن المتكلم لا يعدل إليه إلا إذا ضاقت به الحقيقة فيستعير ، وذلك محال على اللّه تعالى « 1 » . وقد ثبت لدينا في ضوء ما تقدم ، وفي ظلال ما سيأتي بيانه ، أن المورد المجازي في الاستعمال القرآني لا تضيق في الحقيقة ، أو عجز عن تسخيرها في تحقيق المعنى المراد ، بل لغاية التحرر في الألفاظ ، وإرادة المعاني الثانوية البكر ، فيكون بذلك قد أضاف إلى الحقيقة في الألفاظ إضاءة جديدة ، والألفاظ هي هي ، وهذا بعيد عن ملحظ الكذب في التقرير ، أو العجز عن تسخير الحقيقة . ولو خلا منه القرآن لكان مجردا عن هذه الإضافات البيانية الأصيلة ، وليس الأمر كذلك . ويؤكد هذا الملحظ تعقيب الزركشي ( ت : 794 ه ) على القول بمنع استعمال المجاز القرآني بقوله : « وهذا باطل ولو وجب خلو القرآن من المجاز لوجب خلوه من التوكيد والحذف وتثنية القصص وغيره ، ولو سقط المجاز من القرآن سقط شطر الحسن » « 2 » . فاستعمال المجاز في القرآن نابع من الحاجة إليه في بيان محسنات القرآن البلاغية ، فهو والحقيقة يتقاسمان شطري الحسن في الذائقة البيانية كما أشار الزركشي . ويبدو ضعف هذا المذهب - وهو يرفض وجود المجاز في القرآن - حينما نشاهد حرص الجمهور والإمامية ، وأغلب المعتزلة ، ومن وافقهم من المتكلمين على إثبات وقوعه في القرآن « 3 » . حقا إن ابن قتيبة ( ت : 276 ه ) قد أشار منذ عهد مبكر إلى مسألة

--> ( 1 ) ظ : السيوطي ، الاتقان في علوم القرآن : 3 / 109 . ( 2 ) الزركشي ، البرهان في علوم القرآن : 2 / 255 . ( 3 ) ظ في هذا الشأن : الجاحظ ، الحيوان : 1 / 212 . ابن جني ، الخصائص : 2 / 447 - 457 . الرضي ، تلخيص البيان في جملة نصوصه ، المرتضى في الأمالي ، الزمخشري ، الكشاف في أغلب مواضعه .